الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

187

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والمشهور بين المفسرين أن المراد من ( اليقين ) هنا هو الموت ، لأنه يعتبر أمر يقيني للمؤمن والكافر ، وإذا شك الإنسان في شئ ما فلا يستطيع أن يشك بالموت ونقرأ أيضا في الآية ( 99 ) من سورة الحجر : وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين . ولكن ذهب البعض إلى أن اليقين هنا يعني المعرفة الحاصلة بعد موت الإنسان وهي التي تختص بمسائل البرزخ والقيامة ، وهذا ما يتفق نوعا ما مع التفسير الأول . وفي الآية الأخيرة محل البحث إشارة إلى العاقبة السيئة لهذه الجماعة فيقول تعالى : فما تنفعهم شفاعة الشافعين . فلا تنفعهم شفاعة الأنبياء ورسل الله والأئمة ، ولا الملائكة والصديقين والشهداء والصالحين ، ولأنها تحتاج إلى عوامل مساعدة وهؤلاء أبادوا كل هذه العوامل ، فالشفاعة كالماء الزلال الذي تسقى به النبتة الفتية ، وبديهي إذا ماتت النبتة الفتية ، لا يكن للماء الزلال أن يحييها ، وبعبارة أخرى كما قلنا في بحث الشفاعة ، فإن الشفاعة من ( الشفع ) وتعني ضم الشئ إلى آخر ، ومعنى هذا الحديث هو أن المشفع له يكون قد قطع قسطا من الطريق وهو متأخر عن الركب في مآزق المسير ، فتضم إليه شفاعة الشافع لتعينه على قطع بقية الطريق ( 1 ) . وهذه الآية تؤكد مرة أخرى مسألة الشفاعة وتنوع وتعدد الشفعاء عند الله ، وهي جواب قاطع لمن ينكر الشفاعة ، وكذلك توكد على أن للشفاعة شروطا وأنها لا تعني اعطاء الضوء الأخضر لارتكاب الذنوب ، بل هي عامل مساعد لتربية الإنسان وايصاله على الأقل إلى مرحلة تكون له القابلية على التشفع ، بحيث لا تنقطع وشائج العلاقة بينه وبين الله تعالى والأولياء . * * *

--> 1 - التفسير الأمثل ، المجلد الأول ، ذيل الآية ( 48 ) من سورة البقرة .